مقدمة
تُعد محافظة ذي قار مركزاً رئيسياً للإنتاج الزراعي في العراق.1 ويلعب القطاع الزراعي دوراً محوربًا في حياة السكان المحليين، حيث يُوفّر سُبُل العيش للمجتمعات ويؤمّن 75% من فرص العمل في المناطق الريفية. وقد أطلقت الحكومة العراقية مجموعة من السياسات الرامية لتحسين الإنتاج الزراعي، منها دعم أسعار القمح، وتقديم القروض والإعانات للمعدات الأساسية، وتشجيع استخدام نظم الري الحديثة لزيادة الإنتاج وتعزيز الاستخدام المستدام للمياه. 2 مع ذلك، تشير البيانات المتعلقة بالإنتاج الزراعي في ذي قار، وخصوصًا بالنسبة للحبوب الاستراتيجية مثل القمح والشعير، إلى أن هذه السياسات لم تحقق الهدف المعلن المتمثل في تعزيز الأمن الغذائي.3 فعلى الرغم من استقرار إنتاج القمح نسبيًا، شهدت زراعة الشعير تراجعًا حادًا، ما أثر على استدامتها، على الرغم من أهميتها كعلف للثروة الحيوانية. تهدف هذه المذكرة التحليلية إلى دراسة أسباب هذا التباين في النتائج وتقديم توصيات عملية لتعزيز فعالية السياسات الزراعية.
وتظهر السياسات الزراعية الحالية افتقارًا للتوافق مع الواقع الذي يعيشه الفلاحون، ويعزى ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولًا، لا تأخذ السياسات تكاليف الزراعة أو تقلبات الأسعار بعين الاعتبار. وثانيا، تفتقر الخطط إلى دمج تأثيرات ندرة الموارد المائية وتغير المناخ في التخطيط الزراعي. وثالثًا، هناك اهتمام محدود بالعلاقات المتبادلة بين المحاصيل المختلفة، أي أن سياسات تدعم القمح قد تضر الشعير، والعكس صحيح. ولتصحيح هذه الثغرات، يجب إشراك الفلاحين والمجتمعات الريفية في عملية وضع السياسات لضمان توافق أفضل بين الخطط النظرية وتنفيذها الميداني.
تتراوح تكلفة زراعة الدونم الواحد من القمح في ذي قار حسب المنطقة بين 250,000 و435,000 دينار عراقي. وتُعتبر هذه التكلفة مناسبة مقارنة بالسعر المحدد من الدولة للطن الواحد من القمح من الدرجة الأولى، البالغ 850,000 دينار، ما يضمن للفلاحين دخلاً لا يقل عن 350,000 دينار للطن، وهو أمر مفيد نسبياً لهم.
يعتمد هذا التقرير على منهجية مختلطة، تجمع بين الإحصاءات الزراعية الرسمية من مصادر حكومية مختلفة (بما في ذلك وزارة الزراعة والجهاز المركزي للإحصاء) والمقابلات وجلسات النقاش مع الفلاحين والمسؤولين المحليين في محافظة ذي قار.
تباين واضح في الغلات
تشير البيانات الحكومية حول محصولي الحبوب الرئيسيين في ذي قار – أي القمح والشعير – إلى تفاوت واضح في الأداء الإنتاجي. وفقًا لمساحة المزروعات، غلة الأرض، وإجمالي الإنتاج بين عامي 2008 و2023، ارتفع إنتاج القمح تدريجيًا على جميع المستويات، بينما شهد إنتاج الشعير انخفاضًا ملحوظًا. ففي عام 2008، أنتجت المحافظة أكثر من 104,533 طنًا من الشعير، في حين انخفض الإنتاج إلى 6,084 طنًا بحلول عام 2023. في المقابل، ارتفع إنتاج القمح من 75,525 طنًا إلى 162,316 طنًا خلال الفترة نفسها.⁴
الرسوم البيانية - اتجاهات إنتاج القمح والشعير: مقارنة بين عامي 2008 و2023
السياسات الحكومية
على الرغم من أن الحكومة العراقية أطلقت مبادرتين رئيسيتين لتعزيز نمو محاصيل الحبوب، سجّل انخفاض ملحوظ في إنتاج الشعير، بينما استمر إنتاج القمح في الزيادة. تشير هذه المبادرات إلى المبادرة الزراعية العراقية (2008–2015)، ومبادرات الحكومة لدعم الري الحديث والميكنة الزراعية (2011–حتى الآن). وتشمل السياسات الرئيسية ضمن هذه البرامج ما يلي:
• دعم أسعار القمح: تُعدّ الحكومة مستهلكًا رئيسيًا للقمح، حيث تشتريه من المزارعين بأسعار مُعلنة مسبقًا. تُوفر هذه الاستراتيجية شبكة أمان للمزارعين، وتضمن لهم حدًا أدنى من العائد على استثماراتهم، وتُقلل من مخاطر تقلب الأسعار في السوق الخاصة.
• الدعم والقروض للتكاليف الزراعية الأساسية: بهدف خفض تكلفة الإنتاج على المزارعين، تُقدم الحكومة قروضًا ودعمًا للبذور والأسمدة والمبيدات الحشرية والمعدات. ويهدف هذا الجهد لزيادة الجدوى الإقتصادية لزراعة القمح والشعير بالنسبة للمزارعين.
• دعم أساليب الري الحديثة: إدراكًا منها لدور التكنولوجيا في تعزيز الإنتاج الزراعي ومعالجة ندرة المياه، أطلقت الحكومة العراقية عددًا من المبادرات لتحديث البنية التحتية للري، مع التركيز على أساليب الري المستدامة (مثل أنظمة الري المحوري) التي تستهلك كميات أقل من المياه. وقد خُصص ما مجموعه 800 مليار دينار عراقي (حوالي 612 مليون دولار أمريكي) لهذا البرنامج في جميع أنحاء العراق خلال الفترة الممتدة ما بين 2023-2024 وحدها 5. ولتحفيز استخدام هذه التقنيات، تشتري الحكومة القمح من المزارعين الذين يستخدمون الأساليب الحديثة بسعر أعلى قليلًا من غيرهم.
وتهدف هذه السياسات مجتمعةً لضمان استقرار الأسعار وخفض تكاليف الإنتاج الزراعي ومواجهة التحدي المتزايد المتمثل في ندرة المياه في ظل تغير المناخ.
عجز السياسات ووجهات نظر المزارعين
على الرغم من النوايا الإيجابية وراء السياسات الحكومية، لا تتماشى بشكل كافٍ مع الواقع الميداني، لا سيما في محافظات مثل ذي قار، حيث تزداد الضغوط على الاقتصاد الزراعي وتتفاقم تحديات ندرة المياه. وأظهرت المقابلات وجلسات التركيز مع المزارعين في ذي قار أن هوامش الربح للمزارع الصغيرة والمتوسطة ضئيلة للغاية، ما يجعل الدعم الحكومي وبرامج القروض بحاجة إلى تخطيط وتنفيذ دقيقين لضمان تحقيق أثرها المرجو. وإلا، فإن هذه السياسات، التي تهدف نظريًا لتخفيف الأعباء عن المزارعين، قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وفي إحدى جلسات التركيز التي عُقدت شمال ذي قار، أشار أحد المزارعين إلى أن قروض المعدات الزراعية لم تُنفذ بشكل كافٍ ولم تأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر الفلاحين، مما سبب صعوبات في سداد الالتزامات المالية. بالإضافة إلى ذلك، لم تواكب الإعانات ارتفاع تكاليف الإنتاج، بل انخفضت بشكل ملحوظ. فعلى سبيل المثال، انخفض معدل دعم وزارة الزراعة للبذور المسجلة من 70% إلى 30%، بينما استمرت تكاليف الاحتياجات الأساسية مثل البذور والمبيدات الحشرية في الارتفاع.6 وتتسبب التخفيضات من هذا النوع بعدم استقرار مفرط في معادلة التكلفة والفائدة للمزارع الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي يتعين عليها التخطيط للتكاليف المسبقة في كل موسم على هوامش ضئيلة للغاية.
وتتضح بعض التناقضات التمويلية نفسها في جهود الحكومة لتشجيع اعتماد تقنيات الري الحديثة، التي تتطلب دعمًا ماليًا مستمرًا للصيانة والإشراف الفني لضمان فعاليتها على المدى الطويل. وبدون هذا الدعم، قد يُضطر المزارعون الذين يمتلكون هوامش ربح ضئيلة إلى بيع هذه الأنظمة خلال فترات انخفاض الإنتاج لتغطية الالتزامات المالية. وأكد الدكتور صالح السالم من مديرية زراعة ذي قار على أهمية توجيه المزارعين بشأن استخدام تقنيات الري الجديدة، بالإضافة إلى ضرورة استمرار الدعم في الصيانة والمتابعة، مشيرًا إلى أن العديد من المزارعين في ذي قار قد باعوا أنظمة الري الخاصة بهم لمزارعين آخرين في المناطق الغربية والشمالية من العراق.7
القروض المخصّصة للمعدات الزراعية لم تُطبّق بشكل كافٍ ولم تأخذ بعين الاعتبار وجهات نظرنا، وقد واجهنا صعوبات في الوفاء بالالتزامات المالية (سداد القروض).
وتتمثل المشكلة الجوهرية في النهج الذي تعتمده الحكومة لدعم الزراعة، في قلة الاهتمام بالعلاقات المتبادلة بين المحاصيل المختلفة. وركّزت وزارة الزراعة على نجاح برنامج دعم أسعار القمح. وأوضح المسؤول في الوزارة، الدكتور حسن م. غبن، التأثير الإيجابي الصافي لهذا البرنامج على مختلف المناطق العراقية، بما فيها محافظة ذي قار، مشيرًا إلى أن "تكلفة زراعة الدونم الواحد من القمح في ذي قار تختلف حسب المنطقة، وتتراوح بين 250,000 و435,000 دينار عراقي، وهي تكلفة تُعد عادلة مقارنة بسعر الطن الواحد من القمح من الدرجة الأولى البالغ 850,000 دينار، ما يضمن للفلاحين دخلًا لا يقل عن 350,000 دينار للطن، وهو مكسب نسبي لهم".8
ومن المرجح أن التسعير التفضيلي للقمح ساهم في تراجع إنتاج الشعير. فبغياب الدعم الحكومي، اضطر المزارعون الذين يواجهون تقلبات أسعار الشعير إلى التحول بشكل متزايد نحو زراعة القمح. وفي مجموعات النقاش، عبّر المزارعون عن استيائهم من غياب سعر ثابت للشعير وإهمال الحكومة لزراعته، على الرغم من أهميته الكبيرة كعلف للمواشي. وقد أدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على استيراد الأعلاف باهظة الثمن، مما يشكل تهديداً أوسع للأمن الغذائي في العراق، ليس فقط في محاصيل الحبوب، بل أيضاً في الثروة الحيوانية. وتشير هذه النتائج إلى الحاجة لوضع سياسة تسعير تراعي الترابط بين محاصيل الحبوب، إذ إن دعم محصول واحد على حساب آخر لا يضمن نهجاً متماسكاً وشاملاً لتحقيق الأمن الغذائي.
وعلى الرغم من الارتفاع في إنتاج القمح بشكل عام، تكشف البيانات عن مشكلات خفية، حيث تشكل عوامل أخرى مثل التقلبات المناخية وحركة السوق، تحديات كبيرة. فقد شهدت المساحات المزروعة والمحصول المحصود من القمح تذبذباً عبر السنوات، لكنها تميل إلى الانخفاض. ويثير هذا التراجع في الأراضي المزروعة القلق بشأن استدامة إنتاج القمح على المدى الطويل في ذي قار. ويبدو أن تنفيذ السياسات كان غير متوازن أو لم يلبِّ احتياجات ومتطلبات مزارعي القمح بشكل كافٍ، ما دفع ببعضهم للتوقف عن الزراعة نهائياً. ومع ذلك، تشير العلاقة القوية بين المساحات المزروعة وتلك التي جرى حصادها إلى قلة الخسائر في المحاصيل. وهذا ما يعكس اعتماد المزارعين في ذي قار على تقنيات فعّالة واستفادتهم من ظروف زراعية جيدة نسبياً. 9
في الصورة- الري المحوري في مزرعة قمح بصحراء النجف (المصدر: وزارة الزراعة العراقية)
الإستراتيجيات المطروحة للمستقبل
تُظهر نتائج مبادرات الحكومة العراقية لتعزيز الإنتاج الزراعي في محافظة ذي قار تفاوتًا واضحًا. ويبرز ذلك الحاجة إلى نهج مخطط ومتكامل لتنمية الزراعة. فعلى الرغم من أن زيادة إنتاج القمح تمثل خطوة إيجابية، يؤكد التراجع الموازي في إنتاج الشعير على ضرورة اعتماد سياسة أكثر شمولية وتوازنًا. وبناء على ذلك، يقدم التقرير التوصيات التالية:
ضمان وصول جميع المزارعين للدعم المالي، مع التركيز على احتياجات المزارع الصغيرة والمتوسطة. وينبغي تحديث معدلات الدعم لتواكب الزيادة المستمرة في تكاليف الزراعة، وتصميم برامج تمويل تأخذ بعين الاعتبار التحديات الخاصة التي يواجهها صغار المزارعين. فيما يخص التسعير، يُستحسن أن تعمل الحكومة كمشترٍ رئيسي للشعير، فتشتريه من المزارعين بأسعار مُعلنة مسبقًا، ما يوفر شبكة أمان ويشجع على زراعة الشعير، ويضمن حدًا أدنى من العائد على استثمارات الفلاحين مع تقليل مخاطر تقلب الأسعار.
ضمان نجاح تقنيات الري الحديثة على المدى الطويل من خلال الاستمرارية في الدعم المالي والفني والاستشاري للمزارعين. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة في هذا المجال، يعدّ استمرار التمويل وتوفير خدمات الصيانة والإصلاح وتقديم المشورة المهنية حول الاستخدام الأمثل لهذه التقنيات، عناصر أساسية لتحقيق الاستدامة والفعالية.
الحفاظ على الأمن الغذائي من خلال انتهاج سياسة زراعية متوازنة تأخذ الترابط بين جميع محاصيل الحبوب في الحسبان. وذلك لأن دعم محصول على حساب آخر قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة واختلالات في القطاع الزراعي. وبالتالي، هناك حاجة لاستراتيجية شاملة تضمن الأمن الغذائي لجميع المحاصيل.
ضمان فعالية السياسات الحكومية من خلال إتاحة مساحة أكبر لإشراك المزارعين في عملية صنع القرار. وذلك لأن مشاركة المزارعين والمجتمعات الزراعية المحلية في صياغة السياسات أمر أساسي يضمن انبثاق السياسات من واقعهم الفعلي، ويزيد من فرص النجاح في تحقيق الأهداف المنشودة.
