مقدمة
يعاني إقليم كردستان العراق منذ عقود من عجز مزمن في إمدادات الكهرباء، انعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة السكان وعلى وتيرة النمو الاقتصادي في مختلف القطاعات. وفي إطار الجهود الرامية لمعالجة هذا التحدي الهيكلي، أطلقت حكومة الإقليم في عام 2024 مشروع "رووناكي" (الذي يرادف "النور" باللغة الكردية)، بوصفه مبادرة استراتيجية تهدف لإدارة قطاع الكهرباء على نحو أكثر تنظيمًا وكفاءة، مع وضع
هدف أساسي يتمثل بضمان توفير الكهرباء للمنازل والمؤسسات الاقتصادية على مدار الساعة بحلول نهاية عام 2026. وفي حال تحقيق أهدافه المعلنة، قد يسهم المشروع في تقليص الاعتماد الكبير على مولدات الديزل الخاصة، ذات التكلفة المرتفعة والأثر البيئي السلبي، وذلك عبر تعزيز الاعتماد على محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز الطبيعي، بوصفها خيارًا أكثر استدامة وكفاءة¹. غير أن التحديات الإجتماعية المتعلقة بالتكاليف المترتبة على المستهلكين تبقى من أبرز العوامل التي قد تقوض نجاح المشروع واستمراريته على المدى الطويل[1].
في حال نجح مشروع "رووناكي"، قد يضع حدًا للاعتماد الواسع على مولدات الديزل الملوِّثة والمكلفة، ويستبدلها بإمدادات من محطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي
يُقدِّم هذا التقرير مشروع "رووناكي" باعتباره خيارًا هيكليًا محتملًا لمعالجة النقص المزمن في إمدادات الكهرباء داخل إقليم كردستان. ويستند التقرير إلى تحليل الحوافز الأساسية والقيود المؤسسية التي من شأنها التأثير في تصميم المشروع وآليات تنفيذه. كما يتناول التحديات المالية والسياسية والتوزيعية المرتبطة به، بصورة تفصيلية مع إبراز الأطراف الرابحة والخاسرة من تطبيقه، وتقييم انعكاسات ذلك على استدامة المشروع على المدى المتوسط والبعيد.
معالي رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خلال زيارته الأخيرة لوزارة الكهرباء العراقية. (المصدر: المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)
العجز في الطاقة في إقليم كردستان العراق
صمّم مشروع "رووناكي" استجابةً لحالة سوء الإدارة المزمنة التي عانى منها قطاع الكهرباء في إقليم كردستان. فقبل إطلاق المشروع، اعتمدت حكومة الإقليم على شراء الكهرباء من منتجين من القطاع الخاص بتكاليف توليد مرتفعة، قبل إعادة بيعها للمستهلكين بأسعار مدعومة بشكل كبير، مع ضعف ملحوظ في آليات تحصيل فواتير الاستهلاك. وترتب على ذلك إخفاق الحكومة في تحقيق مبدأ استرداد التكاليف، وعدم القدرة على تغطية رسوم المواد الخام لمحطات الطاقة الخاصة المغذية للشبكة الوطنية. ونتيجة لهذه الاختلالات، تراكمت على حكومة الإقليم متأخرات مالية تجاوزت 4 مليارات دولار أمريكي لصالح منتجي الطاقة من القطاع الخاص حتى عام 2021. وهو ما يعادل أكثر من ثلث إجمالي النفقات السنوية المقدَّرة لحكومة الإقليم. وإلى جانب التكاليف غير المستدامة بالنسبة للحكومة، بقيت تغطية الكهرباء ضعيفة.[2] ويبيّن الشكل 1 فجوة كبيرة بين العرض والطلب خلال فترات الذروة – في صيف شديد الحرارة أو شتاء قارس – مقارنة بالمواسم المعتدلة.
ويُعَد النقص المزمن في إمدادات الكهرباء في إقليم كردستان العراق نتيجةً وسببًا على حد سواء، لضعف أداء قطاع الطاقة وعجزه عن تحصيل الفواتير بشكل فعّال. ووفقًا لوزير الكهرباء في حكومة الإقليم، كمال محمد، بلغ إجمالي إنتاج الكهرباء على الشبكة الوطنية في مايو/أيار 2025 ما بين 4000 و4500 ميغاواط، على الرغم من أن محطات التوليد تمتلك القدرة الفنية والبنية التحتية اللازمة لإنتاج ما يصل إلى 8189 ميغاواط [3]
ويُعزى هذا التفاوت بشكل رئيسي إلى نقص المواد الخام، ولا سيما الغاز الطبيعي. الأمر الذي حال دون تمكّن منتجي الطاقة من القطاع الخاص من تلبية إجمالي الطلب المحلي. [4] وبسبب عدم قدرة حكومة الإقليم على شراء كامل الإنتاج، عمدت الشركات إلى تصدير جزء من الكهرباء – أكثر من 1000 ميغاواط – إلى محافظات عراقية خارج الإقليم، بينها كركوك ونينوى وديالى. [5]
وينعكس سوء إدارة قطاع الطاقة في إقليم كردستان على مستوين رئيسيين: أولًا، هناك شريحة واسعة من المستهلكين الذين يدفعون تعرفة أقل بكثير من تكلفتها الفعلية، وإما لا يدفعون على الإطلاق. وثانيًا، يتكبد هؤلاء التكاليف الباهظة لمولدات الديزل الخاصة التي لا توفر سوى ساعات محدودة من الكهرباء يوميًا لسد النقص الناجم عن ضعف إمدادات الشبكة الوطنية. ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، بلغت خسائر التوزيع وضعف تحصيل الفواتير في العراق نسبة 55% خلال عام 2024. [6] وإذا نفّذ مشروع "رووناكي" بشكل صحيح، سيعالج نظرياً هذه المشكلات عبر تحسين جباية الفواتير وتحقيق قدر من استرداد التكاليف من خلال نظام الدعم المدروس والموجَّه للمستهلكين من ذوي الدخل المحدود.
وبالإضافة إلى الأعباء المالية، فإن سوء إدارة قطاع الطاقة يُخلّف آثارًا بيئية مدمّرة لا تقل خطورة. فمولدات الديزل المنتشرة في الأحياء السكنية والمناطق التجارية تُطلق كميات هائلة من الغازات الملوِّثة، مثل ثاني أكسيد الكربون (CO2)، وأكاسيد النيتروجين (NOx)، وثاني أكسيد الكبريت (SO2) وأول أكسيد الكربون (CO)، إلى جانب الجسيمات الدقيقة (PM2.5). [7] وعلى الرغم من أن مشروع "رووناكي" لا يهدف للتخلص التدريجي من الاعتماد على الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء، إلا أنه قادر على الحد بشكل ملموس من هذه الانبعاثات عبر التحوّل من الديزل إلى الغاز الطبيعي، ونقل الانبعاثات الثانوية إلى مناطق أقل اكتظاظًا بالسكان. ويُضاف إلى ذلك بُعد صحي لا يقل أهمية، يتمثل في تقليص مستويات الضوضاء الناتجة عن المولدات الخاصة.
الشكل 1 يوضح نطاقات العرض والطلب على الكهرباء خلال مواسم الطلب المعتدل والذروة في إقليم كردستان العراق
المصدر: تولى الباحثون جمع أرقام العرض والطلب من مصادر مختلفة.[8]
نبذة عن مشروع "رووناكي"
يركز مشروع "رووناكي" على إدارة استهلاك الكهرباء من خلال نظام العدادات الذكية، التي تُحوّل تحصيل فواتير الكهرباء إلى عملية رقمية. يُمكّن هذا النظام من مراقبة استهلاك الكهرباء في الوقت الفعلي، ويتيح للمستهلكين تتبّع استهلاكهم وتعديل أنماط استخدامهم وفقًا لذلك. ويستبدل هذا النظام نظام السعر الثابت السابق بنظام فوترة متدرج يُحفّز على ترشيد استهلاك الطاقة. وبهذا، يسعى مشروع "رووناكي" إلى ضمان استمرارية تزويد الكهرباء على مدار الساعة، ليس عبر زيادة العرض فحسب، بل من خلال خفض الطلب الكلي على الشبكة بطريقة مستدامة.
واعتمدت معظم الأسر في إقليم كردستان العراق تاريخيًا على شراء نسبة كبيرة من احتياجاتها الكهربائية من مشغّلي المولدات الخاصة. وفي هذا السياق، تؤكد حكومة الإقليم أن المشروع يستهدف بشكل أساسي الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي يراوح استهلاكها عادة بين 800 واط/ساعة شهريًا، من خلال توفير كهرباء مستقرة وموثوقة تُغنيها عن الاعتماد المزدوج على الكهرباء المدعومة من الشبكة العامة ومولدات الديزل عالية التكلفة. وتشير البيانات الرسمية إلى أنه اعتبارًا من يوليو 2025، أصبح نحو مليوني نسمة يستفيدون من الكهرباء على مدار 24 ساعة يوميًا، معظمهم في المراكز الحضرية الكبرى. [9] وتسعى حكومة الإقليم لتوسيع نطاق الخدمة ليشمل كامل سكان الإقليم، البالغ عددهم نحو 6.4 مليون نسمة، مع نهاية عام 2026. وحتى الآن، تم إيقاف تشغيل 1260 مولد ديزل من أصل 7354 مولدًا في عموم الإقليم، كجزء من خطة التنفيذ المرحلي للمشروع وفق جهات رسمية. [10]
الشكل 2 يوضح تسعير الكهرباء التدريجي للمنازل/المؤسسات التجارية
المصدر: موقع حكومة إقليم كردستان.[11]
كما يُبيّن الشكل 2، وضع هيكل تسعير الكهرباء المنزلية وفق نظامٍ تصاعدي يربط بين مستوى الاستهلاك وكلفة الكيلوواط/ساعة. وتتراوح التعرفة المنزلية بين 72 دينارًا عراقيًا/كيلوواط ساعة للاستهلاك المنخفض، وصولًا إلى 350 دينارًا عراقيًا/كيلوواط ساعة عند مستويات الاستهلاك المرتفع. أما بالنسبة للقطاعات الاقتصادية، فخُصصت لها أسعار تفاضلية حسب طبيعة النشاط: إذ تدفع الشركات الزراعية 60 دينارًا/كيلوواط ساعة، بينما حُددت التعرفة عند 125 دينارًا/كيلوواط ساعة للصناعات الثقيلة، و160 دينارًا/كيلوواط ساعة لقطاع التصنيع، في حين تصل إلى 185 دينارًا/كيلوواط ساعة بالنسبة للشركات العامة. ووفقًا لبعض التقديرات الصادرة عن حكومة إقليم كردستان، تقع 64% من الأسر حاليًا ضمن المستويين الأولين من الشرائح التصاعدية، أي لا يتجاوز استهلاكها الشهري 800 كيلوواط ساعة.[12] ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه التقديرات لم تخضع للتحقق المستقل.
المخاوف المتعلّقة بالأعباء المالية
وفي ظل النظام السابق لتسعير كهرباء الشبكة الوطنية، كان المستهلكون يدفعون 18 دينارًا عراقيًا فقط/كيلوواط ساعة، أو يحصلون عليها مجانًا عبر التهرّب من سداد الفواتير. وفي المقابل، يُمثّل العبء المالي الذي تفرضه التعرفة الجديدة تحولًا كبيرًا على الأسر متوسطة الدخل. وقد رفضت معظم أحزاب المعارضة، التي تستحوذ مجتمعةً على أكثر من 27% من مقاعد برلمان كردستان، النموذج المقترح للتعرفة بشكل علني، مطالبةً بالحفاظ على الأسعار شبه الثابتة والمعمول بها حاليًا أو تقديم دعم واسع النطاق للأسر ذات الدخل المنخفض. وفي هذا السياق، صرّح عدنان سعيد حسين، النائب عن حركة "الجيل الجديد"، في أحد البيانات: "ستُجبر الأسر التي ستشتري الكهرباء بسعر 350 دينارًا عراقيًا للكيلوواط/ساعة على دفع ما يعادل 19 ضعفًا مما تدفعه حاليًا في ظل النظام القائم، وهذا وضع غير مقبول. وماذا عن موظفي الخدمة المدنية، الذين يخسرون بالفعل ما يعادل راتب شهرين سنويًا نتيجة فساد النخبة الحاكمة، كيف سيتمكنون من تحمّل هذا العبء؟"[13]
ما لم يقدم إقليم كردستان العراق (KRG) آلية واضحة ويطبق إجراءات دعم للأسر ذات الدخل المحدود، سيؤدي النظام الجديد فعليًا إلى تحميل الناس عبء كلفة الكهرباء بدلًا من الحكومة.
وبالتالي، تُشكّل الاستدامة المالية لنظام الدعم توازنًا دقيقًا في ظل المعارضة الصريحة وقيود ميزانية حكومة إقليم كردستان. وحتى مع اعتبار مشروع "رووناكي" خطوةً مهمة إلى الأمام في قطاع الكهرباء بالإقليم، يواجه تحديات كبيرة على مستوى التنفيذ، أبرزها الانقسامات السياسية المرتبطة بالمشروع.
وعلى الرغم من تأكيد حكومة الإقليم عزمها إيجاد وسائل لتخفيف العبء على المستهلكين، لا سيما ذوي الدخل المحدود، لا تزال التفاصيل المتعلقة بحجم هذا الدعم وطبيعته محدودة للغاية. وتقع على عاتق السلطات مسؤولية توضيح هذه الإجراءات ومباشرة تنفيذها بسرعة، وإلا سيُحوّل النظام الجديد عمليًا عبء تكلفة الكهرباء من الحكومة إلى المواطنين، مع تضرّر الفئات الأكثر هشاشة بشكل غير متناسب.
الفوائد المحتملة
في حال تمكنت الحكومة من تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر تضررًا، يُمكن لمشروع "رووناكي" أن يُحدث آثارًا بعيدة المدى على مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة، مع تحقيق فوائد ملموسة لكل من الأسر والشركات. فتستفيد الشركات الصغيرة والمتوسطة ومقدمو الخدمات من إمدادات كهرباء أكثر موثوقية، بما يعزز الكفاءة التشغيلية وتنخفض التكاليف المرتبطة بانقطاع التيار الكهربائي، الأمر الذي يرفع من قدرتها التنافسية. كما أن انخفاض تكاليف الطاقة مقارنة بمولدات الديزل يسهم في تحسين الاستدامة المالية للقطاع ويدعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
ثانياً، وعلى نطاق أوسع، يُتوقع أن يحقق مشروع "رووناكي" فوائد بيئية كبيرة من خلال استبدال المولدات العاملة بالديزل بمحطات كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي. وحسب الأكاديمي والناشط البيئي المتخصص في تلوث الهواء في إقليم كردستان، اريفان شاسوار: "تشكّل هذه المولدات التي تعمل بالديزل، بلا شك، المصدر الرئيسي للتلوث في كردستان، تليها السيارات. وبمجرد إيقاف هذه المولدات، سنقضي على مصدر كبير للجزيئات الملوثة والمواد المسببة للسرطان الناتجة عن الديزل، فضلاً عن التخلص من ضجيجها المستمر."[14]
إذا تمكنت سلطات إقليم كردستان من توضيح آليات الدعم وتنفيذها بفعالية لصالح الفئات الهشة، قد تسهم الفوائد العامة الكبيرة لمشروع "رووناكي" باجتذاب تأييد شعبي واسع وتعزيز الزخم اللازم لاستدامته
وأظهرت نتائج مسح أجرته هيئة إحصاء إقليم كردستان أن المولدات تستهلك نحو 444 مليون لتر من الديزل شهريًا خلال فترات الذروة. [15] وينبعث من كل كيلوواط/ساعة من الكهرباء المنتجة بواسطة مولدات الديزل نحو 1.27 كجم من ثاني أكسيد الكربون،[16] بينما تقل هذه الانبعاثات إلى حوالي 0.49 كجم لكل كيلوواط/ساعة عند استخدام محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز الطبيعي. [17]
علاوة على ذلك، فإن بعض منتجات الوقود المستخدمة في المولدات بالمحافظة ممزوجة بالرصاص، وهذا يزيد من تأثيرها السلبي على الصحة العامة. [18] وبناءً على ذلك، من المتوقع أن يسهم مشروع "رووناكي" بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط/ساعة في إقليم كردستان بنسبة لا تقل عن 61٪.
ثالثًا، يتيح مشروع "رووناكي" لحكومة إقليم كردستان تحسين الوضع المالي وتعزيز الحوكمة. وذلك لأنه يساهم في تخفيف الضغوط المالية من خلال الإلغاء التدريجي لدعم الوقود المكلف الناتج عن الفواتير غير المدفوعة وسرقة الكهرباء.
ويُتوقع أن يعالج مشروع "رووناكي" هذه المشكلة من خلال تحسين تحصيل الفواتير وتطبيق نظام أكثر انتظامًا لإدارة استهلاك الطاقة. وتشير البيانات إلى أن الحكومة كانت تدفع سنويًا أكثر من 2.6 تريليون دينار عراقي (ما يعادل نحو ملياري دولار أمريكي) لمنتجي الكهرباء من القطاع الخاص المزودين للشبكة، في حين لم تتجاوز الإيرادات المحصلة في السابق 0.6 تريليون دينار عراقي (ما يعادل حوالي 462 مليون دولار أمريكي). [19]
التأثيرات على التوظيف وسوق العمل
قد يترتب على تنفيذ مشروع "رووناكي" آثار سلبية على سوق العمل على المدى القصير، حيث يُتوقع أن يفقد حوالي 7,746 فردًا يعملون في قطاع مولدات الديزل وظائفهم. [20] وقد بلغ الدخل الشهري لمشغلي المولدات خلال فترات الذروة نحو 274 مليون دينار عراقي، وفقًا للبيانات الصادرة عن هيئة إحصاء إقليم كردستان. [21] وتشير تقديرات اتحاد مالكي المولدات إلى أن نحو 28,500 شخص يعتمدون على 5,700 مولد في معيشتهم، بما في ذلك الملاك والمشغلون وجامعو الفواتير والفنيون. [22] وقد خلق هؤلاء الأشخاص قطاعاً حساساً سياسياً يهيمن عليه فاعلون محليون أقوياء قاوموا محاولات إصلاح قطاع الكهرباء في الماضي. وقد نجحوا في عام 2018 في توليد ضغط شعبي لتعطيل محاولات الإصلاح في بغداد وجنوب العراق. [23] كما مورست ضغوط مماثلة لإلغاء مشروع "رووناكي" في الإقليم خلال العام 2024. [24]
وينسحب تأثير مشروع "رووناكي" أيضًا على منتجي وتجار الوقود، حيث يتوقع أن يشهد سوق الديزل انكماشًا كبيرًا نتيجة انخفاض الطلب على مولدات الديزل. وتستهلك هذه المولدات نحو 444 مليون لتر من الديزل شهريًا خلال فترات الذروة. [25] وهذا يهدد مبيعات الوقود وسبل عيش العاملين في مجالات التكرير والتوزيع وتجارة المنتجات النفطية. وفي هذا السياق، صرّح آكو عيسى، أحد تجار الوقود ومالك مصنع صغير لإنتاج أحد أنواع الديزل المستخدم في المولدات بالقول: "كنا نزود 124 مولدا يعمل بالديزل في أربيل حتى شتاء العام الماضي. لكن اليوم، لم يتبق سوى 26 مولدًا قيد التشغيل، وسرعان ما سنفقد الباقي. وقد أثر ذلك بشكل كبير على مبيعاتنا". [26] ونتيجة لذلك، يُتوقع أن يتضاءل نفوذ النخبة المرتبطة باقتصاد المولدات، وسينتقل التحكم في الوصول إلى الكهرباء وإيراداتها تدريجيًا إلى الحكومة.
إدارة المخاطر والاستجابات السياسية
على الرغم من وعود مشروع "رووناكي" بتوفير طاقة أنظف وأكثر موثوقية لإقليم كردستان العراق، يعتمد نجاحه على إدارة فعّالة لمجموعة معقدة من المخاطر السياسية والتقنية والاجتماعية. وتشكل البنية التحتية المتدهورة لشبكة الكهرباء في الإقليم أحد أبرز التحديات. فمع ارتفاع الطلب نتيجة الانتقال من مولدات الديزل، قد تواجه الشبكة الحالية صعوبات في توفير طاقة منتظمة. كما تقوض عدم كفاءة النقل ونقص الصيانة وانتشار التوصيلات غير الشرعية من موثوقية النظام حاليًا. وتحد هذه العوامل من تحصيل الإيرادات كما تزيد من التفاوت في الحصول على الكهرباء. وأظهرت بعض اختبارات الأداء أن مشروع "رووناكي" قد يقلّل من الخسائر الفنية وغير الفنية، بحيث تقع الخسائر الفنية ضمن نطاق معياري لا يتجاوز 15%، فيما يُتوقع أن تنخفض سرقة الكهرباء بنسبة تتراوح بين 10% و15% مقارنة بالمستويات السابقة والتي تقدّر بحوالي 40%. [27]
وبهدف تخفيف مخاطر رفض الجمهور لنموذج التسعير الجديد، يمكن توفير الإعانات المستهدفة للشرائح ذات الاستهلاك المنخفض وحماية الأسر ذات الدخل المحدود من الصدمات السعرية المفاجئة. كما أن استكمال ذلك بتعديلات تدريجية على التعرفة، بدلاً من الزيادات المفاجئة، قد يسهل عملية الانتقال ويقلل من رد الفعل السلبي المحتمل، مما يعزز استدامة المشروع على المدى الطويل. ومع ذلك، تبقى هناك مجموعة اجتماعية متضررة تضم نحو 28,500 فرد (من أصحاب المولدات والمشغلين وجامعي الفواتير والفنيين)، ممن سيفقدون مصادر رزقهم نتيجة إدخال مشروع "رووناكي". وقد تعارض هذه الفئة المشروع ما لم يتم تعويضها بشكل مناسب. وقد احتفظت حكومة الإقليم بالمولدات المتوقفة وتعهدت بدفع 1.5 مليون دينار عراقي لكل مولد حتى يتم تشغيل "رووناكي" بالكامل. ومع ذلك، دفع عدم الانتظام بالمدفوعات الكثيرين إلى بيع مولداتهم لمشغلين في مناطق أخرى من العراق بدلاً من الانتظار لمعرفة نجاح المشروع.[28]
إنّ توقع حدوث تغيّر فوري في سلوك شريحة كبيرة من سكان إقليم كردستان العراق يبقى أحد الجوانب غير المدروسة بشكل كافٍ في مشروع "رووناكي"
ولضمان تواصل أفضل، تحتاج الحكومة لمواصلة حملتها التوعوية لشرح فوائد المشروع (بما في ذلك توفير الكهرباء على مدار الساعة، وتقليل الضوضاء وتلوث الهواء، وتحسين الصحة العامة). وينبغي أن تُرافق هذه الحملات نصائح حول الاستخدام الفعّال للكهرباء، وتحسين الإدارة، والالتزام بدفع الفواتير في الوقت المحدد. وقد أعرب شمال كريم، وهو عامل في مجال البناء، عن عدم قدرة الأسر ذات الدخل المحدود على تحمل تكلفة كهرباء الشبكة الوطنية حتى مع الدعم الكبير، مما يبرز الحاجة لتوضيح الدعم وتنفيذه بفعالية. كما أنّ توقع حدوث تغيّر فوري في سلوك شريحة كبيرة من سكان إقليم كردستان العراق يبقى أحد الجوانب غير المدروسة بشكل كافٍ في مشروع "رووناكي". [29]
وفي حال تمكنت سلطات إقليم كردستان من توضيح وتنفيذ نظام الدعم للفئات الضعيفة بشكل فعّال، قد تسهم الفوائد العامة الكبيرة لمشروع "رووناكي" في تعزيز التأييد الشعبي والحفاظ على الزخم رغم تحديات التنفيذ. كما أن مكاسبه البيئية والاجتماعية ـ مثل تقليل التلوث وتحسين الصحة العامة وتوفير كهرباء أكثر استقراراً ـ قد تشكل نقاط قوة مؤثرة لمواجهة العقبات السياسية والمالية والتقنية التي قد تعيق التقدم.
