خطاب حفل التخرج: ريكاردو كرم | The American University of Iraq Sulaimani

خطاب حفل التخرج: ريكاردو كرم

 

يشرف ويسعدني بشدة حقاً أن أكون معكم هنا اليوم, هذه أول مرة لي هنا وأنا مسرور لهذا حقاً. أولاً، أريد أن أقدم خالص تهانيّ أعرف أن كلكم مررتم بالكثير لكي تصلوا إلى هذه المرحلة, بسهر الكثير من الليالي وبتقديم تضحيات لا ترغبون في تكرارها. والآن تنظرون أنتم وعائلاتكم إلى المستقبل وتفكرون في الخطوة التالية. وأعرف أن هذا ليس أمراً سهلاً لكنه مشوق.

أتذكر يوم تخرجي بكل متعة, أقل ما يقال عنه إنه كان شعوراً غامراً بينما كنت أعتمر قبعتي وأرتدي عباءتي لم أكن أقوى على النظر إلى أصدقائي حتى. كان التوتر متملكاً مني لذا أشعر معكم تماماً.

يوم التخرج تجربة مشحونة بالعواطف لكل من المتخرجين وعائلاتهم. إنها لحظة احتفاء وإنجاز وأمل في المستقبل وتأمل في الماضي.

نحن نصنع حياتنا ونكتب قصتنا والمغامرة التي تنتظرنا هي رحلة لتحقيق إمكانياتنا والهدف من حياتنا, ما يوجد خلفنا وما يوجد أمامنا أشياء صغيرة مقارنة بما يوجد في داخلنا.

عملاً بالتقليد المتبع في خطَب مراسم حفلات التخرج, طلبت مني الجامعة الأميركية العراقية في (السليمانيةالكلام عن نفسي, وهذا شيء صعب لأنني شخصية إعلامية تحت دائرة الأضواء دائماً قد تندهشون لمعرفة أنني لم أعتد التحدث عن نفسي. في الواقع كل عملي وطاقتي وظهوري الإعلامي يتمحور حول طرح الأسئلة ودفع الآخرين إلى التحدث عن أنفسهم.

نتحدث عن أعمق دوافعهم وإخفاقاتهم ونجاحاتهم وإحباطاتهم وما الذي يدفعهم إلى الاستيقاظ صباحاً.

في الواقع، الإخفاقات والإحباطات تكون أكثر بكثير أود أن أعود بالزمن لأسأل بعض ضيوفي في برامجي الحوارية عن نصائحهم التي سيقولونها لكم.  ماذا سيقول لكم عراقيون ناجحون من برنامجي (عراقيون)؟

ماذا سيقول (رفعت الجادرجي) و(زها حديد) لو كانا يقفان هنا اليوم؟

إليكم ما قالته (زها) لي, قالت لي إن سر النجاح في أي شيء هو التعليم وإن التعليم لا يتوقف عندما تنهي صفوفك

فهي ترى أن طريق النجاح يأتي من تعلم دروس الحياة القاسية وبالقدر نفسه من الأهمية, وعليّ أن أشدد على أهمية هذا لا تعدوا دروسكم وإنما عدوا نعمكم. التعليم هو التجهيز للحياة فعلاً, التعليم هو الحياة نفسها.

قال أحد ذات مرة, تعليمك هو الزي الذي سترتديه لتتمرّن على الحياة, التي تنتظرك وستعيشها. وقال (مارتن لوثر كينغ) ذات مرة. "الذكاء والشخصية هما هدف التعليمالحقيقي"

قبل أن أذكر المزيد, أريد أن أحدثكم قليلاً عن خلفيتي وشخصيتي وما الذي يدفع سبلي واختياراتي. أنا مؤمن وأؤمن بحتمية نجاحي ولطالما اعتمدت على نفسي, لذا لم يكن لديّ بديل آخر. ربما كانت بداية حياتي الصعبة هي التي أوصلتني إلى وضعي الحالي وهي سبب وقوفي هنا أمامكم. ربما مثل بعضكم مات أبي... ومات قبل ولادتي حتى, وتعلمت العيش بدونه. كنت أنظر إلى السماء ليلاً لأرى أبي بين النجوم حتى فقدت الأمل.

ويومها عرفت أن عليّ الاعتماد على نفسي فقط. لو أن أحدكم في الوضع نفسه,  أو عانى خسارة ومأساة كبيرتين, فعليه التحلي بالشجاعة لأنه يعرف قيمة الحياة الحقيقية. وتذكر أن الشفاء لا يعني أن الضرر لم يقع, بل يعني أن الضرر لم تعد له السيطرة على حياتنا. لا تدع هذه الخسارة تحدد حس إمكانياتك ومستقبلك لأنك تمتلك مستقبلاً قيماً حقاً.

بدأت قصتي قبل سنوات قليلة من بداية الحرب في (لبنان) التي اندلعت لتحطم كل سنوات البراءة والسلام, عشت الحرب طيلة سنوات طفولتي ومراهقتي. في الواقع، بدأت الحرب في (لبنان) وأنا في الخامسة من عمري وكان كل شيء يتعلق بالدمار. شهدنا أموراً مروعة وتنقلنا بين منازل مختلفة عدة مرات وكلما انتقلنا كنت أفقد ألعابي وألبوماتي وكتبي... وأصدقائي.

على كلٍ، ما زلت أحمل كل ذكرى في داخلي, سلبت من كل شيء لكن كان لديّ حلم رغم أنني لم أكن أعرف كنهه حينها. كنت أعشق الموسيقى وكنت أنفق مصروف جيبي كله على شراء الأشرطة الغنائية فلم تكن هناك أسطوانات مدمجة حينها.

ثم أثناء دراستي الجامعية كانت الحرب ما زالت قائمة كان لبنان منقسما: 17 طائفة, جيوش من كل مكان, نقاط تفتيش وعمليات, اختطاف وتفجيرات واغتيالات, مثل ما يحدث هنا بالضبط.

وفي وسط هذه البيئة تعلمت ونضجت. 

كنا نعبر من شرق إلى غرب (بيروت) لنذهب إلى الجامعة الأميركية. أتذكر الخوف, كنا نخشى قطع هذه الرحلة يومياً لكن قطع هذه الرحلة شكّل شخصيتي.

أول شهادة جامعية حصلت عليها كانت في الهندسة الكيميائية. من الصعب تصديق هذا، صحيح؟

لكنني فعلت ذلك فعلاً, لكن ما أخذته معي من الجامعة الأميركية في (بيروت) تمثل في القيمة الأوسع للتعليم وهي الانضباط والفضول وأخلاقيات العمل القوية والذهن المتفتح والانفتاح على الآخرين.

الجامعة الأميركية في (بيروت) علمتني التسامح والتعاطف وأهمية الحوار والحرية للقول والفعل والتصرف ورد الجميل إلى المجتمع .

هذه القيم شكّلت شخصيتي الحالية بسبب هذه القيم التي نشاركها. أشعر أنني في دياري معكم الآن. أسلوب التعليم هو ركيزة منطقتنا. الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط أخرجت بعض أعظم رجالاتنا. هذا التعليم مكنني من التعامل مع شريحة عريضة من المجتمع بدءاً من الأثرياء إلى أفقر الناس وأكثرهم احتياجاً في العالم في الواقع، أتعامل مع أشخاص في أركان الكرة الأرضية الأربعة, وفي (لبنان) مثلما يوجد لديكم هنا, لطالما كان لدينا لاجئون مختلفون كثيرون قادمون من خارج البلاد تعلمنا العيش معهم.

أرجو أن تكونوا فخورين بجذوركم الديمقراطية بقدر فخري عندما تخرجت من الجامعة الأميركية في (بيروت) عام 1991. حصلت على ماجستير في إدارة الأعمال بعدها كانت الحرب في (لبنان) قد وضعت أوزارها لتوها ولم نكن نعرف شيئاً عما يفترض أن يكون عليه شكل البلد. وإنما كنا نريد حياة طبيعية فحسب مثل التي كنا نراها في الأفلام.

كنا نبدأ من الصفر وفي ذلك الوقت لم أكن أمتلك شيئاً, لكنني كنت ثرياً بفضولي وطموحي بدأت الاستكشاف وحضور المؤتمرات والمعارض والحفلات الموسيقية, اشتريت كتباً وبدأت أقرأ بكثرة. فقد كان عليّ إعادة اكتشاف نفسي. بدأت أثقف نفسي في السياسة وأقرأ كل الصحف المختلفة يومياً.

كان لديّ الكثير لأفعله وفعلته بمفردي. "لا تستهن بقوة التفكير أبداً فهي أعظم السبل إلى الاستكشاف"

أردت أن أكون مختلفاً, لطالما كان ذلك هو شعاري. كان أول عمل لي في مجال الإعلام هو مذيع في محطة إذاعة فرنسية.كان عمري حينها 18 عاماً. كنت عاقد العزم ومصمماً لذا حصلت على هذه الوظيفة أخيراً.

بلكنتي الفرنسية غزوت منازل الرجال والنساء في (لبنان) وأحببت ذلك.

أحببت التحدث مع الناس على الهواء وتكوين صداقات افتراضية ومشاركة السعادة والحزن والوحدة والنجاحات... أو حتى إخفاقات المستمعين.

ثم أصبح صوتي علامة مميزة للإعلانات المسموعة والمرئية بعدها, وأحببت فعل ذلك. وفجأة تلقيت عرضاً للعمل في التلفزيون لتقديم برنامج أسبوعي.

أنا؟ أعمل في التلفزيون ؟

لم يكن هناك شيء جذاب أو جميل في العمل في تلفزيون الدولة. فقد كانت لدينا قناة عامة تقليدية واحدة فقط حينها. لكنني حوصرت ووافقت. كانت البدايات سخيفة وكان عليّ صقل مهاراتي بشدة.

أحببت التواصل مع الناس وفعلت كل ما يمكن فعله في التلفزيون, تألّقت مع عالم الديكورات في موقع التصوير وتعلمت المونتاج. شاركت في العمل في الصوت والإضاءة والإنتاج ووقفت أمام الكاميرا وخلفها.

لم تكن رحلتي في التلفزيون سهلة, حاول كثيرون إيقافي عن الارتقاء في عملي. بدءاً من رجال الاستخبارات إلى رجال السياسة ومن النقاد إلى زملاء العمل بل وحتى رؤساء القنوات التلفزيونية كانوا ضدي.

الغيرة خصم كبير لنجاح أي شخص, لكنني لم أعر اهتماماً لذلك قط

قال (نيلسون مانديلا) ذات مرة..."عسى أن تكون اختياراتك انعكاساً لآمالك وليس لمخاوفك". فاتبعت نصيحته طيلة عملي في التلفزيون لـ25 عاماً,استطعت أن أستضيف أكبر المسؤولين ومحركي الأمور وأكبر المفكرين والفاعلين في العالم في برامجي. لطالما كانت برامجي التلفزيونية مستقلة كان عليّ أن أقف بشموخ وهذا شيء صعب جداً في جو عام فيه معظم القنوات التلفزيونية... تستمد زخمها من نقود رجال السياسة وكبرى المشروعات التجارية.

فعلت ذلك بالعمل الجاد لأطور محتوى عالي الجودة جداً في بيئة كانت الجودة فيها تختفي. كان عليّ محاربة الأنواع النمطية وفرض برامج عميقة.

أنا عضو في مجالس عالمية كبرى وألقي خطَباً وأشارك في مؤتمرات حول العالم لتحفيز الناس لتشجيع الشباب

وأحفزهم على المضي قدماً وعدم اليأس مهما كانت العوائق

مهمتي في الحياة هي جعل الأجيال المستقبلية فخورين... ومتفائلين بمستقبلهم.

في عملي في التلفزيون يكون جدول أعمالي الضمني دوماً... هو رفض السلبية وإلهام الأمل في المشاهدين فكروا في أخبار العقود العديدة المنصرمة في هذه المنطقة من العالم ستجدونها عن الحرب والصراعات... والطائفية والقبلية والتطرف تدفق الأخبار السلبية الدائم يدمر الآمال ويشجع على العدمية. ولهذا فإن تقديم فكر مضاد أمر في غاية الأهمية.

فكرة (تكريم) جاءت من برامجي التلفزيونية, فقد قدمت برامج مع بعض أكبر الأسماء في العالم, مثل (لوتشيانو بافاروتي) و(بيل غيتسو(الدلاي لاما)... و(نيلسون مانديلاو(باولو كويلو) و(آندريه أغاسي) على سبيل الذكر فقط، وشخصيات مرموقة جداً من الشرق الأوسط اكتشف المشاهدون معي الشخصيات الحقيقية لـ(زها حديدو(كارلوس غصن) و(نقولا حايك) و(توم باراك) وكثيرين.

لكنني لطالما أردت إيجاد أسماء غير معروفة... وتقديم أبطال مجهولين بالنسبة إلى العامة ومن عملي في الإعلام كانت لديّ فرصة مميزة لإلقاء الضوء على أشخاص يفعلون أموراً عظيمة.

كانت مبادرة (تكريم) فرصة لفعل ذلك على مستوى مجتمعي إحدى مهامنا الأساسية هي محاربة الأنماط التقليدية السلبية لنري الناس أننا قادرون على فعل أمور عظيمة. أطلقنا (تكريم) قبل ثماني سنوات واليوم أصبح مهماً جداً عن ذي قبل في الترويج للقدوات وإعطاء الشباب شيء ليطمحوا إليه. نفعل هذا عبر منصة جوائز نكرم أشخاصاً ومؤسسات يقدمون أعلى معايير... في مجالات الأبحاث العلمية والطبية والرجال والنساء الذين يسعون إلى التميز في التعليم... والأعمال الإنسانية كقادة في العالم المؤسسي وكرائدين في الفنون وكرواد أعمال ناشئين.

لدينا تسع فئات جوائز مختلفة نقدمها سنوياً في مدينة مختلفة أقمنا حفل الجوائز في (مصر) العام الفائت وهذا العام سنقيمه في (الأردن) ويوماً ما أود أن أحتفي بهذه النجاحات في بلدكم الجميل. نفعل هذا لنحول السلبيات إلى إيجابيات.

الضيوف الموقرون... علينا أن نكون قدوات لأنفسنا في مرحلة ما في حياتي. كان لديّ اختيار وقررت أن أبقى في بلدي وربما أضحي ببعض الفرص من أجل تعزيز المعرفة والنمو الاقتصادي والتغيير الاجتماعي في مجتمعات العالم العربي الذي أنحدر منه. أريد أن أقول لكم إنه ليس عليكم السفر إلى خارج البلاد لتنجحوا. هناك فرص استثنائية هنا حيث يوجد الكثير لفعله بينما تصنعون مستقبلكم... ستتاح لكم فرصة صنع مستقبل (العراق) و(كردستان) والمنطقة يمكنكم هنا صنع تأثير لن يمكنكم أن تصنعوه في الغرب أو في مكان آخر أبداً.

تعليمكم يوفر لكم كل الأدوات المناسبة وأياً كان ما ستختارون فعله سيمكنكم إحداث اختلاف إيجابي... بعيش هذه القيم فحسب القيم التي تتبناها جامعتكم وجامعتكم الأم المستقبلية والمواطنة الرشيدة والنزاهة الشخصية والقدرة على التواصل مع الغير والإنصات إليهم. وستستطيعون معاً صنع أكبر تأثير عريض يمكن تخيله. كلنا متشابكون معاً, طريقة عيشكم وتصرفاتكم... ومعاملتكم للآخرين لها تأثير مباشر بتشكيل المجتمعات المحيطة بكم وجودة الحياة التي ستعيشونها بأنفسكم الحياة تقوم على العلاقات والصداقات لذا انتبهوا لاستخدامكم لصوركم الذاتية وصور أصدقائكم... التي ستلتقطونها الليلة هنا.

الطلاب الذين يوشكون على التخرج أود أن أدعوكم للتدبر في بعض النصائح ولا تنسوها أبداً...

التخرج ليس النهاية وإنما البداية جمال التعليم هو أن أحداً لا يمكنه سلبكم إياه اتبعوا شغفكم وكونوا صادقين مع أنفسكم ولا تسلكوا طريق شخص آخر أبداً ما لم تكونوا في غابة وضللتم الطريق ورأيتم طريقاً... حينها عليكم أن تتبعوا هذا الطريق ابدأوا حيث تكونون واستخدموا الأدوات المتاحة لديكم وافعلوا ما يمكنكم لتحقيق أمور عظيمة ليس عليكم التصرف فقط... وإنما عليكم أن تحلموا وليس عليكم أن تخططوا فقط وإنما عليكم أن تؤمنوا.

رسالتي الأخيرة لكم هي... كونوا التغيير الذي تريدون أن تروه احلموا وآمنوا... وتصرفوا واستمتعوا

أتمنى لكم جميعاً الكثير من المتعة